عبد الوهاب الشعراني

300

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

طلب من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقوله : إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من وفور شفقته يود أن لو دخل الناس كلهم الجنة ، فقال اللّه تعالى له : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 99 ) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [ يونس : 99 - 100 ] وقال تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ [ الأنعام : 35 ] . فكل داع إلى اللّه تعالى لا بد أن يقع له كما وقع لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وراثة محمدية ، فيحجبه اللّه تعالى عن شهود انقسام أهل القبضتين إلى شقي وسعيد ، وعن كون ذلك حتما لا بد منه فلذلك يضيق صدر الداعي إذا عصوا أمره فيحتاج الداعي إلى اللّه إلى مراقبة شديدة على الدوام عرفا لأنهم قالوا مراقبة اللّه على الدوام من غير تخلل فترة ليس من مقدور البشر ، فافهم . وقد قال لي مرة شخص من حذاق المريدين المقيمين عندي : لولا كثرة مخالفتنا لك ما عظم اللّه أجرك ، فأنت مأجور على كل حال إن أطعناك أو عصيناك ، فلك الأجر من الجهتين ، فاللّه تعالى يزيده توفيقا كما أيدني آمين ، فإنه نبهني على أن ذوق الأمور ليس هو كالسماع بها وثبتني حين تزلزلت وقد ثبت اللّه تعالى الرسل بما قصه عن بعضهم فقال : فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [ الأحقاف : 35 ] وقال : وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [ الطور : : 48 ] وقال : فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ [ القلم : 48 ] . وكل داع إلى اللّه تعالى على قدم رسول من الرسل ، وكل من جاءه بلاء فوق طاقته احتاج ضرورة واللّه هو المصبر له إن صبر ، فلا يوجد أحد أتعب قلبا ولا بدنا ممن يتولى أمور المسلمين لغلبة وقوع الملل منه وعدم تحمله ذم رعيته له لا سيما نظر المساجد ، فإن جميع المستحقين يؤذونهم بلسانهم ويشكونهم للحكام ويحملونهم على المحامل السيئة وأنهم يأكلون مال الوقف . ولما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة سمع جيرانه بكاء وعويلا في داره فسألوا عن ذلك ، فقالوا إن عمر قد خير زوجاته وسراريه بين الإقامة عنده من غير مسيس إلى أن يموت ، وبين أن يعتقهن أو يطلقهن ؟ وقال قد جاءني أمر شغلني عنكن فلا أقدر ألتفت إلى واحدة منكن حتى أفرغ من الحساب يوم القيامة رضي اللّه تعالى عنه . وبلغنا أنه كان لا ينام ليلا ولا نهارا إلا بعض خفقات وهو جالس ويقول : إن نمت في الليل ضيعت نفسي ، وإن نمت في النهار ضيعت حقوق الرعية . وسمعت أخي أفضل الدين رحمه اللّه يقول : يحاسب المؤمن الذي لم يتول ولاية عن نفسه في يوم كان مقداره قدر وقت صلاة يصليها ، ويحاسب من تولى ولاية عن نفسه وعن جميع رعيته ويسأل عن جميع حقوقهم في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، فمن